مين يقول ان اللى فات ولى .. دا كل شىء فات ساب أثر

‏إظهار الرسائل ذات التسميات The fall. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات The fall. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ٢٢ أبريل ٢٠٠٩

بتيجى سيرتك ....!!


ناس بتقولى قريب .. قريب .. وناس بتقولى بعيد .. بعيد
ناس بتقولى حزين .. حزين .. وناس بتقولى سعيد .. سعيد


وبين ما قيل و ما سوف يقولون .. فات وقت الحديث والتكهنات .. وانتهت كل السير والقصص والحكايات .. وما الجديد فى ذلك .. كانت حكاية ثم انتهت .. لماذا يهتز الكون، ويتساءل العالم، وتنتحر الآمال، وتذوب فى براكين الغضب الأشواق .. كل هذا ما هو الا حروف فى كتيب صغير يكاد يختفى بين ارواق مبعثرة تكدست هنا وهناك تاه بينها بحيث لا يكاد يبين .. ومهما امتدت ايادى للبحث عنه فى حنين .. حتى وان وجد .. فقد أغلقت دفتيه بشمع أحمر مسحور .. عليه لعنة تصيب من يحاول إذابته .. لعنة تحكم على الفاتح بالتيه الأبدى فى غياهب الوله فيذهب بلا رجعة فى صفحات تجتذب قارئها فتمحوه من دنيا الى دنيا أخرى لم يعهدها .. لم يعهد نفسه فيها بلا حول ولا قوى .. أذاب الشمع، وفتح السر المغلق فلعن بلعنة تسكنه منفى برج القصر الملكى فى أسطورة شهيرة .. فصار من بعد حريته أسير .. وما كان اسره لإيقاظ أميرة نائمة، ولا حاول فك ضفائرها .. انما فقط جاذب كتيبها المفقود أطراف الحديث .. هذا يعلمه ويعلمنا أن نترك المغلق فى حاله وألا نذيب شمع الأسرار.
فلنترك ما راح لما قد راح .. وليذهب الماضى الى الذكرى فليحيا سويا بعيدا عنا .. وليروح الناس ويجيئون .. يتبدلون ويكبرون .. وتدور الأعمار .. ولتأت أيام أخر .. تدفعنا دفعا للحياة ولو على حساب ابتسامة زائفة أو احساس مدفوعين اليه دفعا لعلنا نصدقه يوما ونكونه .. ليظل الكتيب مدفونا بقلب أنهكه النبض عالى الصدى وقد آن له ان ينبض فى وهن .. ولتنثر الأوراق عطر الشمع المحترق.

الثلاثاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٠٨

رائحة الحب



بعد ليلة خاصمها النوم فيها .. نهضت من فراشها مشعثة بعينان متورمتان من السهر، وربما قليل من البكاء .. نهضت فى هدوء .. وهى تتنشق رائحة الصباح بينما تسلل لونه بين رقائق شيش النافذة والشرفة .. كانت الساعة قد شارفت على السادسة .. شدت اناملها حجاباب لم تدر لونه كان ملقى على كرسى بجوار النافذة وتركته ينسدل على شعرها وفتحت شيش النافذة .. استقبلت عيناها الضوء، وملأ الصبح رئتيها وروحها .. وتلقت مسامعها أصوات همهمات الكون حين يصحو بأوراق الشجر والنسيم وطير يغرد هنا وكروان يصجدح هناك .. قد طلعت الشمس لكنها لم تسطع بعد .. فكانت الدنيا غائمة وكأنها محتجبة بغمامات السحب .. نظرت طويلا للطريق بالأسفل، وارتسمت إبتسامة على شفتيها .. اليوم ستزور الإسكندرية .. اليوم .. بعيدا عن العمل، والزحام والأعباء .. اليوم .. وإختفت إبتسامتها .. وحل فى عينيها قلق غامر .. وأمنية حزينة .. وصوت تردد على مسامعها طوال عام .. اليوم ستراه .. هناك سينتظر عند البرج المهجور .. عند آخر الممر الصخرى بالمنتزه .. طويل .. أبيض البشرة، ويتردى نظارة شمسية عريضة، وقميص بلون السماء .. تذكرت كلماته أنه ربما عليهما أن يلتقيا .. فاللقاء يحدد الكثير من الأشياء .. تعللت أنها لا تعرفه جيدا بعد .. أجاب ومن فى الدنيا يعرف الآخر .. تعللت ببعد المكان وطول السفر، أجاب أنه لايريدها ان تأتى اليه كسبب رئيسى، ولكن إن جاءت يوما فى سفر فلتضعه جزءا من جدول هذا اليوم .. تعللت بالناس ماذا يقولون .. فأجاب يسألها لماذا إفترضت أنهما فى وضع خاطىء رغم انهما لم يلتقيا بعد .. وأنهى الحديث بصورة قاطعة قائلا أنه سوف يخبرها كل شىء عنه فى تسجيل صوتى سوف يبعثه اليها فى رسالة الكترونية .. وطلب اليها أن تنقله الى هاتفها وتبدأ فى الإستماع اليه فى اللحظة التى تتحرك فيها الحافلة من مدينتها، وطلب منها تسجيل صوتى تبعثه اليه فى رسالة الكترونية أيضا تخبره فيه أشياء عنها .. تخبره أى شىء تريد .. ما تحب .. ما تكره .. آمالها ومخاوفها .. وقد تم تبادل هذه الرسائل فى الليلة الماضية .. وقبل أن يذهبا للنوم عن الساعة الواحدة بعد منتصف الليل الليلة الفائتة سألته كيف سيعرفها وهى لم تقرر ما سوف ترتديه بعد .. أجاب أنه لا يحتاج لألوان ملابسها .. لا يحتاج إلا لعينيه ليراها فيعرفها.

فكرت فى نفسها .. ياله من جنون، وحلم مغرق فى ورود وريحان .. أمن الممكن فى خضم هذا العالم ومن دون كل الناس أن تحدث قصة كهذه معها .. سألت نفسها مرارا ماذا تريد منه، وماذا يريد منها .. وفى كل مرة تمشى طريق طويل من الأفكار تعود منه خائرة العزم ضائعة أمام سدود اللامعقول و مفارقات الواقع .. وتساءلت ربما لم يزل الوقت مبكرا، ربم من الأفضل ألا تذهب، فتكمن فى حجرتها ولا تخرج، وتمسح التسجيل قبل أن تسمعه وبما أنها ساعتها لن تستطيع التحدث إليه مرة أخرى فسوف تلغيه من حسابها الإلكترونى وتلغى رسائله من بريدها، وتنساه وتنسى الخيال الذى كان منذ عام .. وهذا أضمن وأبسط وأكثر أمانا فلا تفكر ولا تنتظر ولا تتعب .. وإرتاحت قليلا عندما شعرت بالإستقرار لهذا القرار .. لكنها شعرت فجأة برغبة ملحة فى البكاء .. وتساءلت لو هذا حلم فلماذا لا تعيشه ولو ليوم واحد .. أن تكون محبة ومحبوبة أمل مغرق بالأمل .. وحياة فيها طعم ولون ورائحة .. فيها طعم الخطر ولون المغامرة ورائحة الحب .. هى لن تكون وحيدة .. ستذهب فى مجموعة من أقرانها وتعود معهم، وستخطف من يومها بضع ساعات الى جوارهم معه .. وكأنها التقته وهى لا تعرف أنها ستلتقيه .. فرد من الأفراد المنتشرين فى الأرض إصطدمت به مصادفة فى جمع فتجاذبا أطراف الحديث .. وفجأة رن جرس التنبيه فى هاتفها فإذا هى السادسة والنصف .. أسرعت تستعد للسفر .. لليوم الهادىء .. أسرعت تستعد كنجمة تتألق لإستقبال المساء.
كعادتها وصلت متأخرة عن موعد تحرك الحافلة مما استدعى أصدقائها لإنتظارها .. قفزت سلالم الحافلة شاحكة فى إعتذار وأخذت توزع الضحكات وتحيات الصباح هنا وهناك .. وسعدت بجمع من الأصحاب لم تلقهم منذ مدة طويلة فجمعتهم هذه الرحلة .. الكل هارب من ضغط الدراسة أو العمل والعبارات والأحاديث الرسمية .. عدل الجو فى الحافلة من حالتها المزاجية، وجعلهاأكثر اقبالا وتفاؤلا باليوم .. وشيئا فشيئا هدأ ضجيج التحيات والقبلات، وثار ضجيج آخر بين الغناء والتصفيق والهتافات .. وبينما انشغل أصدقاؤها فى لهوهم .. وانشغل آخرين فى حديث جانبى عن بعض الأحداث السياسية الداخلية والخارجية .. وإثنان قد استقر مقعدهما بجوار السائق إنهمكا فى دور شطرنج يشجعهما ثالث أثناء حديثه عن أنواع السيارات والموتورات مع السائق وبين حين وآخر يعلق الإثنان على اللعبة حامية الوطيس .. تسللت هى الى كرسى خلف السائق بجوار النافذة .. جلست فى وضع مريح وأرجعت رأسها الى ظهر المقعد وأخذت تنظر الى هاتفها مترددة .. وفى النهاية وصلت سماعات الرأس مطلقة العنان لصوته يملأ أذنيها ليأخذها بعيدا عن الضجيج .. لم تضع سيناريو معين لكلامه قبل ان تسمعه، ولم تستطع أن تتنبأ بما سوف يقول .. لذا فقد اسلمت أذنيها وحسها لما تسمع، وقد علقت عيناها بالطريق فى شرود ..

هل استمعت من قبل لأغنية قارئة الفنجان .. ليس كما تسمعين أى اغنية .. ولكن هل استمعت اليها وكأنها قد كتبت عنى أنا .. لم أشعر بأنها أغنيتى قبل الآن . رغم انى لم أؤمن ولن أؤمن بأى عرافة .. ولا أعترف بقرآءة الفنجان .. لكنها كلها رموز وأساطير تتجمل بها وجوه الحب والحزن والحياة والموت .. لطالما كنت انا الرجل العملى .. أحسب حياتى بلا أحلام .. أدرسها وأحصيها وأجمع الأرقام فى معادلات لتجعل حياتى أكمل .. وذات ليلة سكبت فيها فنجان قهوتى على حاسوبى، وضغطت زرا بغير قصد فبعثت برسالة بريد الكترونى إحتوت على تصاميم مشروعى الأخير الى بريد ظننته المقصود، فى اليوم التالى إستلمت رسالة مهذبة محتواها (عذرا هذا المشروع لا يخصنى .. تأكد من إرساله للبريد الصحيح) .. رسالة مهذبة أنقذت عملى وربما تكون قد أنقذتنى انا نفسى من عجلة دوارة لم ألحظ يوما أنها تتآكلنى .. وعرفتك .. كنت أنتى صاحبة الرسالة .. حرف واحد تغير فى بريد غيرنى انا ايضا .. وبعد مرور عام كامل كان كل ما بيننا أحاديث رقمية .. لم أعد أشعر بان الأرقام تكفى شيئا مما أشعر او اريد .. كنت أتمنى ان اكون انا الذى فى طريقى اليك .. أو اننا نتلاقى فى مفترق طرق فلا أحد ينتظر الآخر .. ولا أحد منا يضيع منه الوقت فى حساب الدقائق والساعات حتى نلتقى .. لكن عملى فى الميناء يجبرنى على الإنتظار وأ،ا احسب الطريق الذى تمشيه الآن وفيه تقع عيناك على أشجار ونخيل وحقول مزروعة، وعربات وبيوت وأفراد .. طريق أحاول ان اتخيله بعينى معك لكى اؤنسك فيه فلا تضيعين منى .. لا يأخذك أصحاب، ولا ضجيج ولا روعة طريق .. أحاول أن اتخيل طريقك لأمشى طريقى فى آخر الممر الصخرى بين البحرين قبل البرج القديم فى المنتزه وأنا اعلم أنك ايضا تتخيلين.

ساد صمت مطبق فى أذنيها بعد إنتهاء التسجيل الصوتى، وقد إتسعت حدقتيها محدقة فى الطريق بلا تركيز، وقد ابتل جفنيها بدمعها وهى لا تدرى ما الذى يحصل لها، وترى هل حقا هو من تريد ان يكون؟؟
بالأمس وهى تفكر ماذا تقول له، أخذتها الحيرة من فكرة الى فكرة .. وكانت أهمية هذه الرسالة الصوتية تكمن فى أنها تجمع كل المتناقضات التى فى داخلها وتحملها لذبذبات الكترونية تحمل دواخلها الحميمة .. كل هذا فى رسالة .. نعم سيسمعها بأذنيه وإحساسه كما تظن .. لكنه سيبنى ايضا من خلالها خيال أكثر ما تخشاه فيه ان يناقض الواقع .. كانت تفكر وكل ذرة من منطق فيها تتهمها بالعبث .. فأى عقل هذا يقول بأن نلتقى عبر اسلاك ودوائر رقمية وأصوات محسوسة نعم .. مرئية لا .. كيف نلتقى وقد بطل شرط من شروط اللقاء .. وعند هذه النقطة حلت فى ذهنها بضع كلمات..

ألم تسمع بنبأ تلك الفتاة .. إنها فتاة كنت اعرفها .. فتاة عادية لأسرة عادية تعيش بعيدا عن الأهواء والرغبات .. تحيا حياة عادية بلا مغامرة او مخاطرة او اشياء غير تقليدية .. تعيش فى بيت بعيد عن انواء اللامعقول .. ورغم تنائيها .. جاءتها النوة حيث تقطن .. هزتها الريح ولم تعد تدر ما العمل ولا كيف التصرف .. ظلت عام او اكثر بقليل مندهشة، ولاتزال مندهشة ولا تدرى ماذا تقول .. إنها فتاة هذا صوتها .. هذا الذى يأتيك عبر الرسالة صوت لا أعرفه تماما كما أنى لا أعرفك .. لن أسالك من انت حتى أعرفك .. فعام من صوتك أخبرنى بالكثير لكنه الكثير القليل .. ربما يفصح عنك اكثر بريدك الصوتى الأخير .. أو ربما عندما اراك حاضرا فاعرفك فى عينيك فلا اسال ثانية .. أعرف انك سوف تنتظر فى موعدنا فى ذلك المكان .. وانا لا املك ان اعطى وعدا بحضورى .. ولا املك ان اجزم بعدم الحضور .. فقط دعنا انا وانت والقدر.

قارنت فى ذهنها بين ما ارسلت وما قد ارسل .. لقد اخبر كل منهما عن اهم ما يشغل باله .. اللقاء المرتقب .. لكنه اخبرها بتشوقه، وأخبرته بمدى حذرها .. هو رغم تعقله مغامر .. وهى رغم جرأتها متحفظة .. وبينهما تتأرجح حكاية قد تبدا، وقد لا تبدا .. حكاية يحاوطها انتظار وانفعال وشىء من اللهفة .. وعلى شرودها فى طريق لم تدر ملامحه ابتسمت عندما اكتشفت كيف اخذتها كلماته التى لا تتعدى الخمس دقائق، واستعادتها آلاف المرات حتى مرت ثلاث ساعات وهى لم تشعر بمرور الوقت الا على مشارف الإسكندرية .. فلقد تغيرت رائحة الجو وبدأ الأصحاب فى إعداد اشيائهم لمغادرة الحافلة .. لقد نجح بالفعل فى ان يستحوذ على إنتباهها رغم صخب الأصحاب، واستطاع أن يرافقها طوال الطريق ويبقيها معه .. ابتسمت أكثر عندما غادرت الحافلة وهى تنظر امامها فإذا البحر ممتدا نحو الأفق، وبينه وبين الشاطىء عناق دام الى الأبد .. تارة يتسلل اليه ناعما مصطحبا حبات من رماله فى عودته .. واخرى يضرب بأمواجه خطوط الصخر فيتكسر عليها ضائعا منسحبا.
قضت بضع ساعات فى التبضع من مول شهير بالإسكندرية بصحبته بعض من اصدقائها وقد مضى الوقت فى احاديث ضاحكة وحكايات عن ذكريات طفولية ورحلات قديمة مع اشخاص آخرين .. واستوقفها بازار يبيع حلى فضية .. توقفت امامه قليلا تتامل المعروضات .. لفت انتباهها فى عارضته الزجاجية قلبا فضيا نقشت عليه حروف اللغة العربية متفرقة بخط عربى قديم وقد كان معلقا فى نهاية ميدالية فضية .. استوقفها هذا القلب الذى ظنته مجوفا لكنها حينما لامسته اناملها استشعرت ثقله بيديها .. تركته امامها تتأمله بينما أخذ البائع يحدثها عن مدى روعة تصميمه ودقته، وانه يعتبر من التحف النادرة المقلدة لتحف اصلية .. وخرجت من البازار حالمة وهى تمسك بحقيبة يدها فى حنان .. وهكذا انقضت السويعات الأولى من اليوم فى مرح .. وها هى الحافلة تعبر بوابة المنتزه .. لقد زارت الإسكندرية من قبل، وقد جاءت هنا مرات ومرات، وفى كل مرة ينتابها الإحساس الأول .. بين الأشجار والحدائق على جانبى شريط اسفلتى رفيع .. ذلك الجسر الذى يربط الحدائق بالشاطىء ثم الصخور على جانبى البحر قد كونت فى ناحية بحيرة هادئة، وفى ناحية أخرى سدا تتلاطمه الأمواج .. هذا الإحساس الملىء بالراحة والبعد عن العالم .. فى هذه البقعة يصير العالم أوسع، والناس أحلى، والسماء أصفى، والدنيا تدور دورة غير التى تحسبها .. وها هى اليوم تتذوق ذلك الإحساس وزاد عليه ترقبها .. صارت عيناها تتلفت هنا وهناك تجرى نهما للبحث عنه .. إتجهت عيناها صوب ممر البرج القديم .. مغلق كالعادة .. ورغم ذلك فقد استطاع أفراد ان يتسللوا من فتحة سقطت سهوا فى جانب السور الخشبى .. اقتربت قليلا وهى تبحث فى تأن فإذا رجل وحيد على حافة الممر معتدلا فى وقفته ضاما ذراعيه فوق صدره .. يولى وجهه شطر البحر .. شىء ما بداخلها أكد أنه هو .. صاحب الفنجان فى أغنية حليم كما ذكرها .. ولكنه بلا فنجانه ولا العرافة ولا حتى صوت حليم .. فقط هو امامها يبدو فى ضياء الشمس وكأنه ظلال إنسان .. وكم منتها الأمانى بسعادة حقيقية عندما إلتفت ببطء نحوها فلاحظها، وإفتر ثغره عن إبتسامة واسعة توحى بأنه ميزها .. إنها هى تلك التى لم ترفض ولم تعده بالمجىء .. وها هو قدرها الذى حملها لكى تتنسم شيئا من تلك الرائحة التى تعرفها حين تغمر المكان .. وفى خطواته الواثقة التى أخذ يخطو بها اليها .. أخذت تقترب منها الحياة بمعان شتى .. مازال يقترب والشمس خلفه تضىء وجوده لكنها تخفى ملامحه إلا تلك الإبتسامة البيضاء .. فصار يخطو اليها وكأنه واقع غائب تخشى أن يتلاشى فى لحظات.

السبت، ٢٢ ديسمبر ٢٠٠٧

الرماد




طريق طويل على من يمشيه أن يؤمن بالمستحيل


إتفقنا على أن نفترق .. ودعنا أمانينا وتعاهدنا على نقض عهودنا الأولى بلا شروط جزائية مفروضة من كلينا اللهم إلا النسيان .. فرضناه على روحينا فى سبيل العيش بضمائر غير مذنبة فى حقينا، وقلوب خالية من الألم تتذكر ما فات وكأنه حلم مر بالبال وراح فرض كل منا على نفسه وعلى الآخر أن ينسى، ونسينا فى خضم معركة النسيان أنه سلاح غير مطوع ليدينا .. لعبنا بنار البعد فإحترقنا وبات رمادنا يتناثر كل حين بما حاولنا ان ننسى .. رماد فاح عبيره على البعد بعد أن تناءينا


...... هو طريق طويل على من يمشيه أن يؤمن بالمستحيل، وأن يرتدى عباءة الفضيلة والغواية فى آن واحد .. ويهتدى فى سبيله الى النجوم بشعاع من ضوء القمر فى معظم الأحوال يخاطر بأن يتكشف له على حقيقته كشعاع وهمى .. ولكن لأنه الحب .. يمضى السائر فى طريقه وهو قانع ان هذا الشعاع هو القضيب الحديدى لقطار العمر الذى لقيه أخيرا على حين غرة ليأخذه الى العالم الآخر .. عالمه الوحيد


عندما نظرت الى تلك الخطوط الرقيقة المشدودة تحت هذه السطور .. تخيلت أناملها وهى تحتضن الكتاب، وعينيها تقبلان كلماته فتتوقف عند هذه السطور وتعلمها بالذات .. وتذكرت اليوم الذى جاءتنى فيه بإبتسامتها الواثقة البطيئة تطل من عينيها ثم تستكين على شفتيها فى هدوء وهى تخبرنى أنها قرأت هذا الكتاب، ولى منها فيه بضع كلمات .. كان ذلك منذ عام .. لم تكن تحسن التعبير أمامى عن نفسها رغم انها روح معبرة .. لكنها أمامى كانت تصمت وأحاول أنا أن استشف من عينيها معنى الصمت .. ففى عينيها كانت تنهار كل حوائط الكبرياء .. حتى كان هذا الكتاب .. عندما أعطتنى اياه وشفتاها تقولان إقرأه فى متعة فإنه هدية صديقة كانت عيناها تقولان أرجوك إفهمنى فيه .. أحببتها من عينيها .. من صمتها .. من رقتها اللامتناهية .. من صمتها المحير المنتظر .. من خوفها المترقب لكل شىء محتمل .. لكنى للأسف لا أؤمن بالمستحيل .. ولا أعرف عن القمر سوى وجه قبيح نراه ان إقتربنا منه ولامست أقدامنا سطحه .. ولا أعرف عن النجوم سوى أنها كواكب صماء صغيرة مهجورة .. ليس عليها حياة لا ماء ولا يابس .. ولما قرأت الكلمات المخططة إنتبهت، وتبينت حقيقتى وحقيقتها .. تبينت اننا لم نكن يوما أصدقاء .. أحببتها .. وأحببت فيها ومعها حياتى .. رغم أنى لا أؤمن أنه من الممكن أن يصير الإنسان يوما رماد وهو حى يتنفس .. وهى على رقتها المعهودة تطمئننى .. فالدنيا لديها ابسط بكثير من أن تورثنا الهلع .. وجدت فيها ما أبحث عنه .. لكنى لا أحب القطارات ولا القضبان، وأخاف السفر .. وهى مسافرة دائمة لا تكاد تستقر .. فراشة تتنقل بين الأزهار طليقة حرة .. طير متمرد لا يستهويه قفص .. ولأنى لا أؤمن بالمستحيل ولأنها فى حد ذاتها درب من المستحيل .. لم أؤمن بنفسى فيها، ولم أجزم بالبديهيات التى تحتويها .. صدق وود خالص .. تلك الرقيقة خطت فى كتاب الرماد تحت سطور من نفسها المتمنية الحب المتأهبة لطريقه الشائك رسالة فهمتها لكنى لم أؤمن بها .. خوفى أن أفقد دفأها فى حياتى ، وأنانيتى فى إمتلاكها جعلتنى أريدها .. لكننى لم أؤمن بها ففقدتها، وآثرت بقائها صديقة ..ظننت أنها بصداقتها دائمة الوجود فى عمرى بلا خوف أو شد أو جذب .. مهما تفرقنا ستبقى ركنا قائما أرتكن اليه كما كنا قبل أن نكون .. لكنها إنطفأت، وتظاهرت أنا بالإشراق .. كذبت وتركتها ترحل .. وأنكرت شفتاها الحزن وصدقت عليه عيناها .. وإستولانى الذنب فما عدت أستطيع التطلع اليها لأطمئن لأنى كنت أرى ذنبى وخسارتى الفادحة


حياتى لازالت هى حياتى .. تمضى لكنها ليست كما هى .. وها أنا بعد عام صدفة عثرت على الكتاب .. صدقت كلماتها .. صدقت رقتها .. وصدق إحساسها .. فأنا وهى صرنا رماد رغم إبتساماتنا الرائعة الواثقة .. لأننا وحدنا اشتممنا رائحة الحريق

الأربعاء، ٥ ديسمبر ٢٠٠٧

ساعة




قد حملنا الحب فى دواخلنا وقد نسيناه .. وإنشغلنا فى فراغ غير متناه حتى نسينا اننا يوما قد حملناه


ترى من يسمع صفير الريح الحارة فى طريق مشمس تناثرت على جنباته شجيرات وأوراق خضراء يانعة تتباهى بحسنها رغم الجو الخانق .. ليس غريبا ألا يسمع ذلك الصفير أحد .. فكل أهل البلدة إما نيام أو واقعين تحت تأثير مخدر الماء البارد فيبتلون ويبتلون حتى تظنهم فى طريقهم الى الذوبان .. هدأت الحركة فى كل مكان إلا على الطريق الفرعى المطل على البحيرة حيث توقفت سيارة أجرة أخذ محركها فى الصياح المزعج بينما إنشغل السائق فى محاسبة زبونته التى أجزلت له العطاء فى البقشيش حتى ذكرها فى نفسه على أنها من الأثرياء، وقد فوجىء بها تطلب إليه أن ينتظرها قليلا فسوف تعود معه، وقبل أن يعترض بادرت قائلة أنها سوف تعطيه ما يشاء .. فحدثته نفسه ألا بأس بما أنه سيأخذ ما يريد، كما أنها سوف تريحه من عناء اللف فى طرقات خالية فى مثل هذه الساعة فى محاولة فاشلة لإصطياد زبون ليقله إلى مكان ما .. فأطفأ السائق محرك السيارة، وإضطجع فى كرسيه بوضع وجده مريحا لينتظرها حتى تعود .. بينما سلكت الشابة طريقها فوق العشب على جانب هابط من الطريق فى محاولة للإقتراب من البحيرة .. وقد تساءل السائق فى نفسه ترى ماذا تفعل فتاة مثلها فى مكان كهذا فى مثل هذا الوقت .. ثم إبتسم فى خبث لنفسه وأومأ برأسه وكأنه عثر على شفرة هذا السر، وأكد أنها هنا على موعد مع شريك .. وما هى إلا لحظات حتى يصبح هو الشاهد الوحيد على موعدها الغرامى


دارت كل هذه الأفكار فى ذهن السائق الفضولى بينما إجتازت "حور" طريقها نحو البحيرة، وكانت كلما إقتربت كلما تذكرت نفسها .. تلك الصغيرة ذات الشعر الأسود القصير التى تعبث بحشاش الأرض قرب البحيرة .. إنها تعبث حقا لكنها لا تحاول مجرد المحاولة أن تبتل بالماء .. ربما لأنها تكره أن تبتل ملابسها، وربما لأنها تخاف البحيرة .. فلطالما سمعتها تناديها، وآلاف المرات قد كذبت أذنيها وسدتهما .. لكن أصداء النداء لا تلبث تعاودها هاتفة لها فتمشى مسيرة نحو البحيرة وتكتفى بالتحديق بها ثم الجلوس شاردة بينما تمتد أناملها بحركة لا إرادية لتعبث بزهرة أو عود أخضر .. ففى ذلك الوقت من كل عام كان الجميع يهربون من حرارة الجو الى بيوتهم عداها هى .. ففى ظل الفراغ الكبير الذى تخلفه الإجازة الصيفية فى نفسها كانت دائما ما تهرب الى البحيرة لتلهو على حافتها بالضبط كما وجدت نفسها الآن، وبعد مرور عشرة أعوام منذ إنهائها دراستها الثانوية ورحيلها عن المكان .. جاءت اليوم وهى تتذكر طفولتها الأولى، والأيام البكر .. تلك الأيام الصغيرة التى بدا فيها كل شىء متضخما، ولكنه لم يكن كذلك.. إنما يكمن السر فى قامتها التى لم تستطل بعد، فكانت معظم الأشياء بعيدة عنها تنظر إليها من أسفل .. مقابض الأبواب، صنبور المياه، المرآه فوق الصنبور والتى يهذب فيها والدها لحيته كل صباح .. تذكرت والديها .. ففى ذلك العمر بدت كل الأشياء بعيدة جدا عن أناملها لكنها بندائها أبى أو أمى .. كانت تنال ما تريد .. هى ربيبة أبوين محبين أحيانا ما عمدا إلى شىء من الشدة فى تربيتها .. وقتها لم تعرف سببا .. لكنها الآن تفهم .. إنها تعى أن العالم يكتظ بالشرور والمساوئ، وقد أراد لها والداها درعا لينأى بها عنها


جلست" حور" تتأمل البحيرة وأناملها تعبث بالحشائش .. وتساءلت ترى ماذا تعنى البحيرة لها .. أهى رمز لحياتها تتراكم فيها الأحجار المقذوفة حجرا تلو الآخر حتى يأتيها يوم تردم .. ولهذا جاءتها بعد طول غياب، ولهذا كانت تظن دائما أنها كانت تناديها.. ربما جاءتها اليوم لتواسى نفسها بأن ها هى البحيرة لم تزل باقية .. رغم كم الأحجار التى القاها ويلقيها وسوف يلقيها الناس فيها .. فتبتلعها كدأبها فى دوامات السطح بينما يستكين الحجر فى القاع لا حول له ولا قوة .. هكذا هى أحزانها وهمومها فيها .. وربما جاءت لتلقى بالبحيرة الحجر الأكبر .. أو لنقل لتسر اليها بعدم قدرتها على الإحتمال .. وربما جاءت لأنها فقط أرادت المجىء لتنسى نفسها ولو ساعة .. فتخرج من ثوبها الذى تعرفه ويعرفها الناس به لتكون للمرة الأولى منذ زمن بعيد على سجيتها هى، فتخلع أقنعة الهناءة وراحة البال، وتنزع الإبتسامة، وتذيب التجلد من عينيها .. فيصبح وجهها كما تعرفه فى مرآتها بلا تجميل .. جاءت لساعة لتستمتع بمعنى السكون، وترتاح فيها من ضجيج الكون وأصواته وحركاته وهمزاته ولمزاته .. تبتعد عن مشكلاتها مع أقاربها حول إصرارها أن تعيش فى شقة والديها رغم أن بيوت أعمامها وعماتها، أخوالها وخالاتها مفتوحة على مصراعيها لها .. لكنها تصر وتستمر تجادل وتناقش فى أنها تريد أن تحيا فى بيتها، وترجو ألا يفسد عليها هذا الأمر علاقتها بهم، فهم لها وهى لهم .. ويجادلون ويناقشون كيف تعيش فتاة فى مثل سنها وحيدة بعد وفاة والديها، ستأكل ألسنة الناس وجوههم .. ويهددون بالقطيعة ولازالت تجادل وتناقش وتحاول فحينا تستميل فردا وحينا ينفر منها آخر .. تبتعد عن وجوه الطامعين في مكان عملها .. فى الحافلة التى تستقلها .. فى السوبر ماركت القريب الى بيتها .. رجال متزوجين وغير متزوجين .. أصبح مجرد حديثهم معها نوع من أنواع اللذة التى يستطيبونها، وكأنها كسر لملل حياتهم اليومية .. وهى قد احتارت فى التفسيرات والتبريرات ولم تعد تستطيع التفرقة بين الباحث عن التسلية فى كلمة أو حوار أو موقف، وبين الشهم حقا والذى يبغى خيرها .. تبتعد قليلا حتى عن أصدقائها وعالمهم الذى تحبه لأنها تريد أن تشتاق اليهم فتحبهم أكثر ويفتقدونها لتعود إليهم فترى فى أعينهم نظرة الحب الخالص البرىء الذى يجمع القلوب الصديقة على وفاء وود .. جاءت الى هنا لتبتعد أقصى البعد عن ظمأها للحب .. لتبتعد عن الذكرى التى تلح .. عن إلهامه الذى تراه فى كلماتها، وتختلقه فى ردود أفعالها .. لتبتعد عن القصة الوحيدة التى شعرت فيها أنها ظالمة ومظلومة .. ظالمة لأنها إعتقدت أنها تصلح له .. ومظلومة لأنها أحبته.. ورغم سنين العمر التى مرت .. لا زالت تتآكلها الأفكار والتكهنات التى قد تدور بخياله بعد أن إنتهيا .. ترى كيف يفكر .. إنها تهتم بشدة لصورتها لديه حتى بعد التنائى .. حتى بعد تشتت السبل اللانهائى .. لازالت تتوق لمعرفة كيف هى فى عينيه .. هل يلومها لأنها أغوته ببراءتها .. هل يحملها ذنب تصريحه بالحب لأنها شجعته بنظرتها المستكينة وصمتها الدائم أمامه .. هل إنتقص من قدرها لديه شيئا لأنه حين فاتحها فى رغبته فى الإرتباط بها طوال العمر لم تتردد، ولم تطلب ثوان لتفكر .. لم تتدلل .. بل أحنت الرأس وأومأت بالإيجاب البسيط .. هل كان قلبها سهل المنال بالنسبة له .. هل صدقها هو ما جعلها تفقده .. ومن يستطيع أن يحدث عن الإفتقاد قدرها هى .. رغم أنها لم تعد تبكى .. رغم انها لم تعد تذكر أين ومتى وكيف .. لكنه مازال يدوى بداخلها كناقوس أبدى حكم عليها به للعذاب .. لم تعد تراه فى كل الناس .. ولكن أصبح الناس وكأن لا وجود لهم .. تتناثر الأيام حولها وهى تفتش عن لحظات للمرح والسعادة .. تفتش عن لحظات لا يكون هو فيها .. تحاول جاهدة لتكمل المسيرة .. فقد أخطأت حينما صبت حياتها بأكملها فى قالبه .. أخطأت لأنها تغافلت حقيقة أن حياتها كالزئبق .. قد تأخذ شكل القالب لكنها سرعان ما تنساب متسللة من أى شق قد يهمله هذا القالب .. ولكنه لم يكن مجرد شق .. قد كان صدعا أفلتت منه حياتها نوبة واحدة .. وفجأة وجدت نفسها من دون هذا الذى تعرفه .. تتساءل هل تستطيع يوما أن تتقولب فى أحد غيره .. هل تدرك ماذا تريد .. من تريد ومن لا تريد .. كلها أسئلة أصابتها بتعب شاق تلاحقت أيامها به حتى مرت خمس سنوات وهى لا تزال كما هى .. ربما لم تعد تحبه .. ربما لا تذكر يوما لهما معا .. لكنها مسجونة فى سجن الخوف أن تحاول عبوره .. فتكون كمن نجا من حفرة ليقع فى اليم


توقفت أناملها عن العبث، وأغمضت جفنيها من التعب ثم فتحتهما على البحيرة، وتنفست .. ثم نظرت إلى السماء فى تضرع المنتظر


مر الوقت على السائق فى عربته وئيدا مما جعله يشعر بالندم على موافقته على إنتظارها، وقد هم بالرحيل أكثر من مرة .. لكن ضميره كان يوسعه لوما وعتابا .. فكيف لمثل هذه الشابة أن تعود وحيدة إلى المدينة والطريق يكاد يكون مقفرا خاصة والظلام سوف يحل قريبا .. فكان يصبر نفسه تارة بالعبث بقنوات الراديو .. وتارة بإشعال سيجارة .. وأخرى بالروحة والجيئة أمام سيارته لعله يراها فيدعوها للرحيل .. لكن أكثر ما كان يود أن يراه هو ذلك الرجل الذى تأتى مثل هذه الفتاة إليه فى هذا المكان وفى ذلك الوقت .. من المؤكد انه رجل غير عادى .. ولأن نفسه الفضولية لا تهدأ .. فقد أغلق سيارته جيدا ثم سار على نفس خطاها فى الطريق الذى سلكته، وما هى إلا بضع خطوات حتى أطل برأسه من عل فرآها جالسة فى هدوء توليه ظهرها .. ولمبلغ دهشته فقد كانت وحيدة .. لم يكن يجالسها أحد .. إرتفع حاجبيه وجحظت عيناه من عمق الدهشة، وطأطأ رأسه لبرهة ثم فوجىء بها تنهض وتنفض ما علق بثوبها من الحشائش وتستدير لتعود .. فأسرع عائدا إلى سيارته وأخذ يلعن ذلك الشخص الذى جاء بها الى هنا ولم يأت .. وفجأة تساءل، وإذا لم تكن على موعد مع أحد فلماذا تأتى إلى هنا بلا سبب؟ .. إن مثل هذه الفتاة آخر ما قد توصف به هو الجنون .. وما هى إلا لحظات حتى أقبلت فى خطواتها الهادئة تسير مقتربة من العربة، وقد رسمت على وجهها إبتسامة شكر وحادثته


· أشكرك على إنتظارى .. فقد توقعت أن تكون قد رحلت


ودخلت إلى المقعد الخلفى وجلست، ثم جلس هو الآخر فى مقعده ونظر إليها فى المرآة الأمامية قائلا


· لا شكر على واجب .. لقد أجزلت لى العطاء مرة، فلماذا لا أنتظر المزيد


وفهمت على الفور مقصده بأنه يذكرها أنها وعدته بما يريد .. فأجابته بإبتسامة الفهم ثم حولت عينيها إلى الطريق .. وكانت هذه آخر كلمات تبادلاها بعد أن فتح الراديو فإنبعث صوت فيروز " تيجى هاك البنت .. م البيت العتيق .. ويقلها انطرينى وتنطر عا الطريق .. ويروح وينساها وتدبل بالشتى .. حبيتك بالصيف .. حبيتك بالشتى .. نطرتك بالصيف .. نطرتك بالشتى .. وعيونك الصيف وعيونى الشتى .. ملآنة يا حبيبى .. خلف الصيف وخلف الشتى " .. تنفست عميقا وتاهت عيناها بين التفصيلات المارقة لجانبى الطريق .. بينما ظل هو ينظر إليها كل حين فى مرآته ويفكر


· يا إلهى .. إنها حقا لم تكن تنتظر أحدا .. لقد جاءت لمجرد المجىء .. فهدوءها وإبتسامتها لم يظهرا سخطا بسبب تخلف أحد عن ميعاده


إنما كانت سكينة فى نفسها وإبتسامة على شفتيها لم تستطيعا أن تمحوا الحزن العميق القابع فى عينيها اللتان حاولتا أيضا الإبتسام .. ذلك الحزن الذى رآه وضاعف من تساؤلاته .. ترى ماذا هناك .. وإستمرت نفسه اللحوح تلهبه بأسواط أسئلتها التى لن يجد عليها الإجابة يوما حتى إكتفى منها بذلك فنفض رأسه فى حركة مفاجئة جعلت " حور" تنظر إليه فى دهشة فنظر لها فى إعتذار صامت عادت على إثره لمتابعة الطريق من جديد .. بنفس الإبتسامة التى سكنت شفتيها .. مع إرتفاع ناظريها الى السماء فى تضرع المنتظر

السبت، ٢١ أبريل ٢٠٠٧

العمر الضال

ساعات .. أقوم الصبح قلبى حزين .. أطل بره الباب ياخدنى الحنين .. اللى اشتريته انباع .. واللى لقيته ضاع
واللى قابلته راح وفات الأنين .. أرجع وأقول .. لسة الطيور بتفن، والنحلايات بتطن، والطفل ضحكه يرن
مع إن مش كل البشر فرحانين



فى يوم ما .. ظننت أننى سأحيا العمر بإحساس واحد أقوى من أن ينتهى أو يضيع .. أخذ منى الظاهر والباطن .. أخذ الإبتسامات، والضحكات، الإيماءات .. ودقات القلب الصاخبة الهادئة .. وارتعاشات الروح امام أحلامه البسيطة الهانئة .. أخذ منى النفس التى كانت فى دروب التيه، فإهتدت اليه ظنا أنه يعرفها .. وكم وددت لو أرسم بأناملى خطوطا تتجاوز المعروف والمسموح بأن نرى دنيانا بعيون خالية من الحزن .. دون ان نفكر فى غدا بكل خوف .. كم وددت أن اتنازل عن طموحاتى بكل سعادة فأصبها لهيبا فى أمنياته ليصبح الرجل الذى أرى .. ما أعظمه ..ما أجمله .. ما أندره


يا الهى .. ان مثل هذا الرجل يعرف كل شىء، ويفكر فى كل شىء .. انى لأقف خجلى بين يديه
وما ان يقول شيئا حتى أقول نعم لكل مايقول .. وما أنا إلا بنت فقيرة جاهلة
ولست افهم أية محاسن يجدها قلبه فى شخصى

قالتها الفتاة فى رواية فاوست .. ولم أدر انى سوف أطل يوما من صفحات حكاية .. فهكذا كنا ثم انتهينا .. لكن العمر لا يستطيع أن يثب فوق الماضى ويمضى .. ضل العمر الطريق وتاه .. وتبقى الحنين التعس ببضع حروف للإعتذار .. فأنا حين استشعرت حبه لم أكن أقصد أن أؤذى قلبه أو قلبى .. إنه الحب الذى لا يهزم .. القاهر لكل نفس تتكبر عليه أو تتشاغل عنه أو تتصنع أنها لا تعرفه .. كان هو الماضى القريب البعيد .. هو الذهاب واستحالة الرجوع .. هو المرة الأولى دائما والتى لاتنسى .. حتى ولو كان السبيل الوحيد هو النسيان .. بالله النسيان



آدى اللى كان .. وآدى القدر .. آدى المصير .. نودع الماضى بحلمه الكبير .. نودع الأفراح .. نودع الأشباح
راح اللى راح معادش فاضل كتير .. ايه العمل دلوقتى يا صديق .. غير اننا عند افتراق الطريق .. نبص قدامنا
على شمس احلامنا .. نلقاها بتشق السحاب الغميق .. أرجع وأقول .. لسة الطيور بتفن .. والنحلايات بتطن .. والطفل ضحكه يرن .. مع ان مش كل البشر فرحانين