مين يقول ان اللى فات ولى .. دا كل شىء فات ساب أثر

الثلاثاء، ٢٠ مايو ٢٠٠٨



وعلمينى الشعر .. فقد تحتاج بنت ما لأغنية لبعيدها


خذنى ولو قسرا إليك


وضع منامى بيديك



محمود درويش

الأحد، ٤ مايو ٢٠٠٨

حزينة



مش عارفة ليه خطر ببالى أقول انى حزينة .. جايز علشان ترس الحياة الدوار خلاص بيفرمنى .. جايز .. جايز علشان فجأة حسيت بمنتهى الفراغ رغم منتهى الإنشغال .. فراغ الروح لعنة

لما بتأمل حياتى بشوف بنت فى العشرينات ورغم انها بس فى العشرينات لكن وكأنها فات عليها عمر كتييييييييييييير

بقالى كتير جدا ماكتبتش بوست .. وبقالى كتير مافيش جملة بتتجمع على بعضها علشان تتكتب .. مشغولة .. مطحونة .. تايهة .. بستعبط على روحى وبستخبى فى الشغل والمذاكرة لحد ماقع من التعب وانام وأصحى أستعبط من تانى على روحى وأستخبى فى الشغل والمذاكرة لحد ماقع من التعب وانام وأصحى أستعبط .................... الخ

فى عز ماكل الناس كانت بتصرخ على الإضراب وعلى إسراء وعلى الولد دا اللى نسيت اسمه لأن مابقاش عندى ذاكرة أصلا.. الولد اللى واجه رئيس الوزراء تحت قبة جامعة القاهرة .. ومن قبلها مشاكل العيش وللمفارقة الضاحكة اطلب منى فى الجامعة أعمل بحث عن مشكلة رغيف العيش وجبت داتا وقعدت درست وفى الآخر إتصدمت والحل لاقيت اللى بيقولوه ناس عمرهم مادرسوا اقتصاد ولا هم متخصصين زراعة ولا غيره .. مكناش قادرين يا متخصصين نحل المشكلة من قبل ما تبقى كارثة؟؟؟ .. ومن قبلها الناس هرت خدودها لطم على اللى بيحصل فى غزة .. أستغفر الله العظيم .. من كتر البكا مابقيناش بنبكى .. فى عز كل ده لاقيتنى مش مهتمة .. حسيت انى باردة وعندى لامبالاة .. وخصوصا لما مشاكل الإضراب دى زادت قوى وحبس وبهدلة ويييييييي .. قلت ليه كل الناس بتعمل كدة .. ليه نبطل شغل .. نبطل نشترى ماشى لكن نبطل شغل ليه .. نعد فى بيوتنا .. طب وبعدين .. كل حاجة غالية والغذا مش موجود والتعليم زفت والمستشفيات ربنا يعافينا يارب والدنيا بقى لونها مش كحلى دا بقى إسود غطيس


وشششش فى دماغى كبيييييير .. وحزن أكبر .. مش عارفة دى حالة عامة .. ولا أنا اللى دماغى باظت؟؟! .. يلا زى ما تيجى بقى .. وسورى على الكآبة

السبت، ٩ فبراير ٢٠٠٨

العروس


كانوا صغارا .. سمعت الطرقات أحاديثهما .. ونمت الشجيرات على ضفاف النهر بأفراحهما وأتراحهما .. وعرف كل الناس .. نعمان لنايلة، ونايلة لنعمان .. كانا طفلين .. وبين الطفولة والنضوج زمان يحمل بطياته ما تحمله الريح العاصفة فى يوم هادر .. ماضاع فيها ضاع، وما بقى يبقى أثرا غير مكتمل يحتاج الى ترميم .. فإن أهمل .. أضحى طلل .. وإن مرت عليه باقى السنين يظل على حاله سجين ما فات

كانا منذ وقت بعيد يعيشان هنا .. ومن يسمع .. يتصور أنها حكاية حب وردية .. لقد كانت قصة نعم .. وردية لا .. والناظر فى عيون أهل تلك القرية سيفهم، وسيشغله ذلك الحزن القابع .. المختبى تحت الصدور .. وذلك الحديث فى أمسيات الدور والأسطح العلوية .. خوف الصبيان الصغار أن يقربوا ذلك الضريح .. أقدم قبور أهل القرية، وأكثرها وحشة، وأكثرها لفتا للنظر .. ومن يسمع تلك القصة (نايلة ونعمان) .. أقدم قصة ترويها الجدات على الأحفاد فى ساعة تروى الأسطورة

الحب سيطغى يوما ما ليصبح أنانية

أقدم قصة .. تناقلها النسيم، ودار بها الزمان

ودار صوت الغنا والعشق موال .. عينى عاللى عشق ما نال
غابوا الأحبة، والحب بعده مازال
فاتوا الكلام بالدمع حن وسال
فاتوه يا عين، وشدو عالغربة الرحال
وآه م القلب يا خال
مانويت فى يوم أعشق .. ولكن داء العشق قتال

أينعت الصبية .. وصار الفتى رجلا .. لكنه لم يدخل بيتها .. لقد دخل مقصورة القطار لينهى دراسته الجامعية .. ليخرج من سور القرية، ويرتدى ثوب المدنية .. وعدها أن يعود، ولم يهدها شيئا لأنه من قبل قد أهداها عمره .. ودعته، ولوحت .. رغم إحساس دفنته فى أعماقها أنها آخر مرة سترى فيها نعمان الذى تعرفه .. وأدت ذلك الشعور السخيف فى مجاهل ذاكرتها، ولم تذكر سوى تلك الإبتسامة الشفافة والدمعة المترقرقة التى تعنى .... إنتظرينى

وتاهت الأرواح فى معابر السبل .. ظل الفتى هناك، ومازالت الفتاة تنتظر .. عام .. إثنان .. بل عشرة أعوام .. تعلمت فيها الفتاة القسوة .. وتعلم فيها الفتى أن ينسى

كترو خطابك يا بنية والكل دق الباب
قالوا فات الزمان واللى تريده غاب
لا هو سلو المحبة، ولا طبع أحباب
ينسوا لقيا الأحبة، ويبقى البعد غلاب

عاد .. أخبروها أنه عاد .. وعادت الروح للجسد الفارغ لتملأه .. وعادت الفرحة أحيت القلب الذى قد مات .. جثت فى مكانهما القديم، شاردة تفكر كيف تلقاه .. هرولت لمنزلها .. إرتدت نفس الثوب الذى كان يحبه .. تركت شعرها منسدلا خلفها كآخر مرة تلاقيا فيها .. ونظرت لوجهها فإذا هو قد أشرق ببهجتها .. كانت تحاول أن تسرع لتلحق بالشمس قبل أن تغيب .. كان موعدهما قبل المغيب بساعة .. ركضت حتى إنقطعت أنفاسها .. ولكن رغم لهفتها .. لم تجد أحد .. لم يضيرها الإنتظار لدقائق بعد العشر سنوات .. المهم انه قد عاد .. إنقضت نصف ساعة، ولون الكون قد بدأ يتغير، ولم يظهر أحد، حملتها قدماها للسير فى نفس الطريق نحو منزله .. سمعت صوت ذحكات ميزت فيها ضحكته، كيف لا تميزها وفيها تاه عمرها كله .. وصلت .. وبعد حين شعر الجميع بوجودها فساد صمت مطبق .. نهض من أصبح غريبا، وقد تداعت لعينيه صورتها ذكرته بأشياء قد تناساها .. ذكرته بتلك الدمعة فى يوم الرحيل .. حنين ملأ عينيها، وفى لحظة توقف سيل المشاعر عندما إستدارت لتعود، وشيئا فشيئا لتختفى
غابت الشمس أو هى على وشك الغياب .. ركض خلفها فوجدها كدأبها تنتظر .. عندما تحادثا .. لم تعرف لغته .. لقد تغير عنها سمته .. هو هو نعمان، لكنه ليس نعمانها .. فيه شىء قد تغير .. ولم تسأله عن تلك المرأة التى رأتها .. فقد أخبرها حدسها .. لقد نسيها نعمان .. لم تبك .. ولم تصرخ .. ولم تعترض .. فقط تركته يتكلم ورحلت .. فى خطى وئيدة تحركت فوق الأرض وهى لا تكاد تشعر بها .. وكل ما حولها أطياف لا معنى لها .. تكلم عن القدر، وهى تؤمن أن القدر لا يظلم .. تكلم عن النصيب، وهو يعلم أنها نصيبه وهو نصيبها .. تكلم عن التحديات، لم تخبره عن عمرها الذى راح .. تكلم عن البقاء أهل وجيران، سكتت فيها كل القدرة على الإصغاء

الحب سيطغى يوما ما ليصبح أنانية

الصمت .. سارت فى صمت، وهى تستدعى كل ما كان .. كيف ترد إليه هديته بعد أن صارت ملكا لها منذ يوم الميلاد .. كيف يأخذ منها عمره، وقد أخذ منها بالفعل عمرها .. سارت نحو الجبل .. وصارت تنادى أحدا خلف أحراش متوارية كثيفة .. صارت تنادى دون أن تعقل أو تدرى .. وجاءها رجل قيل أنه يعشقها .. وصارت له عروسا مهرها من دماء

وراح نعمان فى أرض فضاء تقرب من مكان الملتقى القديم .. راح فى وضح النهار .. وآه على من غاب دون أمل فى يوم الرجوع .. مات نعمان .. ولم يسترد منها هديته .. عمره لها ولن يأخذه .. دفن الفتى، وتفرق الناس .. وإرتدت الصبية نفس الثوب وذهبت فى نفس الميعاد .. الطرقات خاوية إلا من صوت خطواتها .. أخذت تخطو وبكل خطوة نعيم من الذكرى .. جثت الى جواره وأنت .. وإلى هذا الحين .. مازال المار الى جوار ذلك المكان قبل المغيب بدقائق يسمع ذلك الأنين .. أنين روح هائمة .. وقلب عذبه الحنين.

ودار صوت الغنا والعشق موال .. عينى عاللى عشق ما نال

السبت، ٢٢ ديسمبر ٢٠٠٧

الرماد




طريق طويل على من يمشيه أن يؤمن بالمستحيل


إتفقنا على أن نفترق .. ودعنا أمانينا وتعاهدنا على نقض عهودنا الأولى بلا شروط جزائية مفروضة من كلينا اللهم إلا النسيان .. فرضناه على روحينا فى سبيل العيش بضمائر غير مذنبة فى حقينا، وقلوب خالية من الألم تتذكر ما فات وكأنه حلم مر بالبال وراح فرض كل منا على نفسه وعلى الآخر أن ينسى، ونسينا فى خضم معركة النسيان أنه سلاح غير مطوع ليدينا .. لعبنا بنار البعد فإحترقنا وبات رمادنا يتناثر كل حين بما حاولنا ان ننسى .. رماد فاح عبيره على البعد بعد أن تناءينا


...... هو طريق طويل على من يمشيه أن يؤمن بالمستحيل، وأن يرتدى عباءة الفضيلة والغواية فى آن واحد .. ويهتدى فى سبيله الى النجوم بشعاع من ضوء القمر فى معظم الأحوال يخاطر بأن يتكشف له على حقيقته كشعاع وهمى .. ولكن لأنه الحب .. يمضى السائر فى طريقه وهو قانع ان هذا الشعاع هو القضيب الحديدى لقطار العمر الذى لقيه أخيرا على حين غرة ليأخذه الى العالم الآخر .. عالمه الوحيد


عندما نظرت الى تلك الخطوط الرقيقة المشدودة تحت هذه السطور .. تخيلت أناملها وهى تحتضن الكتاب، وعينيها تقبلان كلماته فتتوقف عند هذه السطور وتعلمها بالذات .. وتذكرت اليوم الذى جاءتنى فيه بإبتسامتها الواثقة البطيئة تطل من عينيها ثم تستكين على شفتيها فى هدوء وهى تخبرنى أنها قرأت هذا الكتاب، ولى منها فيه بضع كلمات .. كان ذلك منذ عام .. لم تكن تحسن التعبير أمامى عن نفسها رغم انها روح معبرة .. لكنها أمامى كانت تصمت وأحاول أنا أن استشف من عينيها معنى الصمت .. ففى عينيها كانت تنهار كل حوائط الكبرياء .. حتى كان هذا الكتاب .. عندما أعطتنى اياه وشفتاها تقولان إقرأه فى متعة فإنه هدية صديقة كانت عيناها تقولان أرجوك إفهمنى فيه .. أحببتها من عينيها .. من صمتها .. من رقتها اللامتناهية .. من صمتها المحير المنتظر .. من خوفها المترقب لكل شىء محتمل .. لكنى للأسف لا أؤمن بالمستحيل .. ولا أعرف عن القمر سوى وجه قبيح نراه ان إقتربنا منه ولامست أقدامنا سطحه .. ولا أعرف عن النجوم سوى أنها كواكب صماء صغيرة مهجورة .. ليس عليها حياة لا ماء ولا يابس .. ولما قرأت الكلمات المخططة إنتبهت، وتبينت حقيقتى وحقيقتها .. تبينت اننا لم نكن يوما أصدقاء .. أحببتها .. وأحببت فيها ومعها حياتى .. رغم أنى لا أؤمن أنه من الممكن أن يصير الإنسان يوما رماد وهو حى يتنفس .. وهى على رقتها المعهودة تطمئننى .. فالدنيا لديها ابسط بكثير من أن تورثنا الهلع .. وجدت فيها ما أبحث عنه .. لكنى لا أحب القطارات ولا القضبان، وأخاف السفر .. وهى مسافرة دائمة لا تكاد تستقر .. فراشة تتنقل بين الأزهار طليقة حرة .. طير متمرد لا يستهويه قفص .. ولأنى لا أؤمن بالمستحيل ولأنها فى حد ذاتها درب من المستحيل .. لم أؤمن بنفسى فيها، ولم أجزم بالبديهيات التى تحتويها .. صدق وود خالص .. تلك الرقيقة خطت فى كتاب الرماد تحت سطور من نفسها المتمنية الحب المتأهبة لطريقه الشائك رسالة فهمتها لكنى لم أؤمن بها .. خوفى أن أفقد دفأها فى حياتى ، وأنانيتى فى إمتلاكها جعلتنى أريدها .. لكننى لم أؤمن بها ففقدتها، وآثرت بقائها صديقة ..ظننت أنها بصداقتها دائمة الوجود فى عمرى بلا خوف أو شد أو جذب .. مهما تفرقنا ستبقى ركنا قائما أرتكن اليه كما كنا قبل أن نكون .. لكنها إنطفأت، وتظاهرت أنا بالإشراق .. كذبت وتركتها ترحل .. وأنكرت شفتاها الحزن وصدقت عليه عيناها .. وإستولانى الذنب فما عدت أستطيع التطلع اليها لأطمئن لأنى كنت أرى ذنبى وخسارتى الفادحة


حياتى لازالت هى حياتى .. تمضى لكنها ليست كما هى .. وها أنا بعد عام صدفة عثرت على الكتاب .. صدقت كلماتها .. صدقت رقتها .. وصدق إحساسها .. فأنا وهى صرنا رماد رغم إبتساماتنا الرائعة الواثقة .. لأننا وحدنا اشتممنا رائحة الحريق

الأربعاء، ٥ ديسمبر ٢٠٠٧

ساعة




قد حملنا الحب فى دواخلنا وقد نسيناه .. وإنشغلنا فى فراغ غير متناه حتى نسينا اننا يوما قد حملناه


ترى من يسمع صفير الريح الحارة فى طريق مشمس تناثرت على جنباته شجيرات وأوراق خضراء يانعة تتباهى بحسنها رغم الجو الخانق .. ليس غريبا ألا يسمع ذلك الصفير أحد .. فكل أهل البلدة إما نيام أو واقعين تحت تأثير مخدر الماء البارد فيبتلون ويبتلون حتى تظنهم فى طريقهم الى الذوبان .. هدأت الحركة فى كل مكان إلا على الطريق الفرعى المطل على البحيرة حيث توقفت سيارة أجرة أخذ محركها فى الصياح المزعج بينما إنشغل السائق فى محاسبة زبونته التى أجزلت له العطاء فى البقشيش حتى ذكرها فى نفسه على أنها من الأثرياء، وقد فوجىء بها تطلب إليه أن ينتظرها قليلا فسوف تعود معه، وقبل أن يعترض بادرت قائلة أنها سوف تعطيه ما يشاء .. فحدثته نفسه ألا بأس بما أنه سيأخذ ما يريد، كما أنها سوف تريحه من عناء اللف فى طرقات خالية فى مثل هذه الساعة فى محاولة فاشلة لإصطياد زبون ليقله إلى مكان ما .. فأطفأ السائق محرك السيارة، وإضطجع فى كرسيه بوضع وجده مريحا لينتظرها حتى تعود .. بينما سلكت الشابة طريقها فوق العشب على جانب هابط من الطريق فى محاولة للإقتراب من البحيرة .. وقد تساءل السائق فى نفسه ترى ماذا تفعل فتاة مثلها فى مكان كهذا فى مثل هذا الوقت .. ثم إبتسم فى خبث لنفسه وأومأ برأسه وكأنه عثر على شفرة هذا السر، وأكد أنها هنا على موعد مع شريك .. وما هى إلا لحظات حتى يصبح هو الشاهد الوحيد على موعدها الغرامى


دارت كل هذه الأفكار فى ذهن السائق الفضولى بينما إجتازت "حور" طريقها نحو البحيرة، وكانت كلما إقتربت كلما تذكرت نفسها .. تلك الصغيرة ذات الشعر الأسود القصير التى تعبث بحشاش الأرض قرب البحيرة .. إنها تعبث حقا لكنها لا تحاول مجرد المحاولة أن تبتل بالماء .. ربما لأنها تكره أن تبتل ملابسها، وربما لأنها تخاف البحيرة .. فلطالما سمعتها تناديها، وآلاف المرات قد كذبت أذنيها وسدتهما .. لكن أصداء النداء لا تلبث تعاودها هاتفة لها فتمشى مسيرة نحو البحيرة وتكتفى بالتحديق بها ثم الجلوس شاردة بينما تمتد أناملها بحركة لا إرادية لتعبث بزهرة أو عود أخضر .. ففى ذلك الوقت من كل عام كان الجميع يهربون من حرارة الجو الى بيوتهم عداها هى .. ففى ظل الفراغ الكبير الذى تخلفه الإجازة الصيفية فى نفسها كانت دائما ما تهرب الى البحيرة لتلهو على حافتها بالضبط كما وجدت نفسها الآن، وبعد مرور عشرة أعوام منذ إنهائها دراستها الثانوية ورحيلها عن المكان .. جاءت اليوم وهى تتذكر طفولتها الأولى، والأيام البكر .. تلك الأيام الصغيرة التى بدا فيها كل شىء متضخما، ولكنه لم يكن كذلك.. إنما يكمن السر فى قامتها التى لم تستطل بعد، فكانت معظم الأشياء بعيدة عنها تنظر إليها من أسفل .. مقابض الأبواب، صنبور المياه، المرآه فوق الصنبور والتى يهذب فيها والدها لحيته كل صباح .. تذكرت والديها .. ففى ذلك العمر بدت كل الأشياء بعيدة جدا عن أناملها لكنها بندائها أبى أو أمى .. كانت تنال ما تريد .. هى ربيبة أبوين محبين أحيانا ما عمدا إلى شىء من الشدة فى تربيتها .. وقتها لم تعرف سببا .. لكنها الآن تفهم .. إنها تعى أن العالم يكتظ بالشرور والمساوئ، وقد أراد لها والداها درعا لينأى بها عنها


جلست" حور" تتأمل البحيرة وأناملها تعبث بالحشائش .. وتساءلت ترى ماذا تعنى البحيرة لها .. أهى رمز لحياتها تتراكم فيها الأحجار المقذوفة حجرا تلو الآخر حتى يأتيها يوم تردم .. ولهذا جاءتها بعد طول غياب، ولهذا كانت تظن دائما أنها كانت تناديها.. ربما جاءتها اليوم لتواسى نفسها بأن ها هى البحيرة لم تزل باقية .. رغم كم الأحجار التى القاها ويلقيها وسوف يلقيها الناس فيها .. فتبتلعها كدأبها فى دوامات السطح بينما يستكين الحجر فى القاع لا حول له ولا قوة .. هكذا هى أحزانها وهمومها فيها .. وربما جاءت لتلقى بالبحيرة الحجر الأكبر .. أو لنقل لتسر اليها بعدم قدرتها على الإحتمال .. وربما جاءت لأنها فقط أرادت المجىء لتنسى نفسها ولو ساعة .. فتخرج من ثوبها الذى تعرفه ويعرفها الناس به لتكون للمرة الأولى منذ زمن بعيد على سجيتها هى، فتخلع أقنعة الهناءة وراحة البال، وتنزع الإبتسامة، وتذيب التجلد من عينيها .. فيصبح وجهها كما تعرفه فى مرآتها بلا تجميل .. جاءت لساعة لتستمتع بمعنى السكون، وترتاح فيها من ضجيج الكون وأصواته وحركاته وهمزاته ولمزاته .. تبتعد عن مشكلاتها مع أقاربها حول إصرارها أن تعيش فى شقة والديها رغم أن بيوت أعمامها وعماتها، أخوالها وخالاتها مفتوحة على مصراعيها لها .. لكنها تصر وتستمر تجادل وتناقش فى أنها تريد أن تحيا فى بيتها، وترجو ألا يفسد عليها هذا الأمر علاقتها بهم، فهم لها وهى لهم .. ويجادلون ويناقشون كيف تعيش فتاة فى مثل سنها وحيدة بعد وفاة والديها، ستأكل ألسنة الناس وجوههم .. ويهددون بالقطيعة ولازالت تجادل وتناقش وتحاول فحينا تستميل فردا وحينا ينفر منها آخر .. تبتعد عن وجوه الطامعين في مكان عملها .. فى الحافلة التى تستقلها .. فى السوبر ماركت القريب الى بيتها .. رجال متزوجين وغير متزوجين .. أصبح مجرد حديثهم معها نوع من أنواع اللذة التى يستطيبونها، وكأنها كسر لملل حياتهم اليومية .. وهى قد احتارت فى التفسيرات والتبريرات ولم تعد تستطيع التفرقة بين الباحث عن التسلية فى كلمة أو حوار أو موقف، وبين الشهم حقا والذى يبغى خيرها .. تبتعد قليلا حتى عن أصدقائها وعالمهم الذى تحبه لأنها تريد أن تشتاق اليهم فتحبهم أكثر ويفتقدونها لتعود إليهم فترى فى أعينهم نظرة الحب الخالص البرىء الذى يجمع القلوب الصديقة على وفاء وود .. جاءت الى هنا لتبتعد أقصى البعد عن ظمأها للحب .. لتبتعد عن الذكرى التى تلح .. عن إلهامه الذى تراه فى كلماتها، وتختلقه فى ردود أفعالها .. لتبتعد عن القصة الوحيدة التى شعرت فيها أنها ظالمة ومظلومة .. ظالمة لأنها إعتقدت أنها تصلح له .. ومظلومة لأنها أحبته.. ورغم سنين العمر التى مرت .. لا زالت تتآكلها الأفكار والتكهنات التى قد تدور بخياله بعد أن إنتهيا .. ترى كيف يفكر .. إنها تهتم بشدة لصورتها لديه حتى بعد التنائى .. حتى بعد تشتت السبل اللانهائى .. لازالت تتوق لمعرفة كيف هى فى عينيه .. هل يلومها لأنها أغوته ببراءتها .. هل يحملها ذنب تصريحه بالحب لأنها شجعته بنظرتها المستكينة وصمتها الدائم أمامه .. هل إنتقص من قدرها لديه شيئا لأنه حين فاتحها فى رغبته فى الإرتباط بها طوال العمر لم تتردد، ولم تطلب ثوان لتفكر .. لم تتدلل .. بل أحنت الرأس وأومأت بالإيجاب البسيط .. هل كان قلبها سهل المنال بالنسبة له .. هل صدقها هو ما جعلها تفقده .. ومن يستطيع أن يحدث عن الإفتقاد قدرها هى .. رغم أنها لم تعد تبكى .. رغم انها لم تعد تذكر أين ومتى وكيف .. لكنه مازال يدوى بداخلها كناقوس أبدى حكم عليها به للعذاب .. لم تعد تراه فى كل الناس .. ولكن أصبح الناس وكأن لا وجود لهم .. تتناثر الأيام حولها وهى تفتش عن لحظات للمرح والسعادة .. تفتش عن لحظات لا يكون هو فيها .. تحاول جاهدة لتكمل المسيرة .. فقد أخطأت حينما صبت حياتها بأكملها فى قالبه .. أخطأت لأنها تغافلت حقيقة أن حياتها كالزئبق .. قد تأخذ شكل القالب لكنها سرعان ما تنساب متسللة من أى شق قد يهمله هذا القالب .. ولكنه لم يكن مجرد شق .. قد كان صدعا أفلتت منه حياتها نوبة واحدة .. وفجأة وجدت نفسها من دون هذا الذى تعرفه .. تتساءل هل تستطيع يوما أن تتقولب فى أحد غيره .. هل تدرك ماذا تريد .. من تريد ومن لا تريد .. كلها أسئلة أصابتها بتعب شاق تلاحقت أيامها به حتى مرت خمس سنوات وهى لا تزال كما هى .. ربما لم تعد تحبه .. ربما لا تذكر يوما لهما معا .. لكنها مسجونة فى سجن الخوف أن تحاول عبوره .. فتكون كمن نجا من حفرة ليقع فى اليم


توقفت أناملها عن العبث، وأغمضت جفنيها من التعب ثم فتحتهما على البحيرة، وتنفست .. ثم نظرت إلى السماء فى تضرع المنتظر


مر الوقت على السائق فى عربته وئيدا مما جعله يشعر بالندم على موافقته على إنتظارها، وقد هم بالرحيل أكثر من مرة .. لكن ضميره كان يوسعه لوما وعتابا .. فكيف لمثل هذه الشابة أن تعود وحيدة إلى المدينة والطريق يكاد يكون مقفرا خاصة والظلام سوف يحل قريبا .. فكان يصبر نفسه تارة بالعبث بقنوات الراديو .. وتارة بإشعال سيجارة .. وأخرى بالروحة والجيئة أمام سيارته لعله يراها فيدعوها للرحيل .. لكن أكثر ما كان يود أن يراه هو ذلك الرجل الذى تأتى مثل هذه الفتاة إليه فى هذا المكان وفى ذلك الوقت .. من المؤكد انه رجل غير عادى .. ولأن نفسه الفضولية لا تهدأ .. فقد أغلق سيارته جيدا ثم سار على نفس خطاها فى الطريق الذى سلكته، وما هى إلا بضع خطوات حتى أطل برأسه من عل فرآها جالسة فى هدوء توليه ظهرها .. ولمبلغ دهشته فقد كانت وحيدة .. لم يكن يجالسها أحد .. إرتفع حاجبيه وجحظت عيناه من عمق الدهشة، وطأطأ رأسه لبرهة ثم فوجىء بها تنهض وتنفض ما علق بثوبها من الحشائش وتستدير لتعود .. فأسرع عائدا إلى سيارته وأخذ يلعن ذلك الشخص الذى جاء بها الى هنا ولم يأت .. وفجأة تساءل، وإذا لم تكن على موعد مع أحد فلماذا تأتى إلى هنا بلا سبب؟ .. إن مثل هذه الفتاة آخر ما قد توصف به هو الجنون .. وما هى إلا لحظات حتى أقبلت فى خطواتها الهادئة تسير مقتربة من العربة، وقد رسمت على وجهها إبتسامة شكر وحادثته


· أشكرك على إنتظارى .. فقد توقعت أن تكون قد رحلت


ودخلت إلى المقعد الخلفى وجلست، ثم جلس هو الآخر فى مقعده ونظر إليها فى المرآة الأمامية قائلا


· لا شكر على واجب .. لقد أجزلت لى العطاء مرة، فلماذا لا أنتظر المزيد


وفهمت على الفور مقصده بأنه يذكرها أنها وعدته بما يريد .. فأجابته بإبتسامة الفهم ثم حولت عينيها إلى الطريق .. وكانت هذه آخر كلمات تبادلاها بعد أن فتح الراديو فإنبعث صوت فيروز " تيجى هاك البنت .. م البيت العتيق .. ويقلها انطرينى وتنطر عا الطريق .. ويروح وينساها وتدبل بالشتى .. حبيتك بالصيف .. حبيتك بالشتى .. نطرتك بالصيف .. نطرتك بالشتى .. وعيونك الصيف وعيونى الشتى .. ملآنة يا حبيبى .. خلف الصيف وخلف الشتى " .. تنفست عميقا وتاهت عيناها بين التفصيلات المارقة لجانبى الطريق .. بينما ظل هو ينظر إليها كل حين فى مرآته ويفكر


· يا إلهى .. إنها حقا لم تكن تنتظر أحدا .. لقد جاءت لمجرد المجىء .. فهدوءها وإبتسامتها لم يظهرا سخطا بسبب تخلف أحد عن ميعاده


إنما كانت سكينة فى نفسها وإبتسامة على شفتيها لم تستطيعا أن تمحوا الحزن العميق القابع فى عينيها اللتان حاولتا أيضا الإبتسام .. ذلك الحزن الذى رآه وضاعف من تساؤلاته .. ترى ماذا هناك .. وإستمرت نفسه اللحوح تلهبه بأسواط أسئلتها التى لن يجد عليها الإجابة يوما حتى إكتفى منها بذلك فنفض رأسه فى حركة مفاجئة جعلت " حور" تنظر إليه فى دهشة فنظر لها فى إعتذار صامت عادت على إثره لمتابعة الطريق من جديد .. بنفس الإبتسامة التى سكنت شفتيها .. مع إرتفاع ناظريها الى السماء فى تضرع المنتظر

الاثنين، ١٩ نوفمبر ٢٠٠٧

بداية



تمتاز البدايات دائما بالترقب، ودقات الإنتظار .. بإنشغال الفكر والفضول الغير منقطع .. ترقب الأحداث تأتى تباعا وتوغل فى العمق .. ودقات إنتظار الساعة، والهاتف، واللقاء .. وإنشغال الفكر بمحاولات مستميتة للتعرف على الشىء الجديد الى أين سوف يمضى ويأخذنا .. والفضول لمعرفة أدق الدقائق عنه وكأنه دنيا جديدة نحاول جاهدين ان ندخلها .. تمتاز البداية بإنتباه الحواس جميعا لإحتواء هذا الوافد، وتسارع الأمانى حينا وحينا تباطؤها .. بفرحة غامرة تولد من لا شىء وتستمر للا شىء يقتلها الخوف من الغد .. يقتلها الظن بأنها ربما كانت أوهام .. تحلو البدايات كثيرا بالتوقع الحلو فى أحلام اليقظة .. وتصعب دوما بالشك وخيبة الرجاء لأنها لم تزل بدايات .. خيام ربما نصبت ولكن من دون وتد

الثلاثاء، ٦ نوفمبر ٢٠٠٧

الجسر




استمتع بنقرى على الطرقات فى دقات منتظمة مرتبة بينما يرن فى أذنى لحن ذلك الدولفين المعلق امام باب شرفتى .. فكلما عانقه النسيم أصدر لحنا محببا الى نفسى فأسترجعه من حين لآخر ليصاحب خطواتى على الطريق فأصير أشبه براقصة تؤدى رقصة نقرية على لحن ايقاعى .. أتلفت يمنة ويسرة وكأنى اعيد اكتشاف العالم من جديد .. أفتح رئتى عن آخرهما فأستنشق أكبر قدر أستطيعه من العبير .. هو عبير مختلط التكوين ما بين رائحة الياسمين والورد وماء النيل .. رائحة النسيم ساعة ما قبل المغيب .. كنت أخطو وأنا فى كامل أناقتى فوق ذلك الجسر والذى يربط بين محطة المترو التى تقلنى الى منزلى، وبين شركة كنت أتم فيها مقابلة عمل .. لطالما مررت فوق هذا الجسر لشهور مضت لإنجاز بعض الدراسات فى هيئة أجنبية .. وكنت كلما عبرت فوقه استشعرت وكأن العالم يجب وأن يتوقف لحظة حتى أعبره بنفس سكينته وأثره المريح فى نفسى .. كنت أخطو بخطوات واثقة تكاد تكون سعيدة .. ليس بمقابلة العمل لأنها لم تكن كذلك، ولكن بمقابلة الجسر مجددا بعد وقت طويل .. وتوقفت مرة أخرى فى منتصفه أرتكن الى الحاجز أتطلع الى صفحة الماء وضفتيها .. هذا سباق للتجديف .. وهذه مركب شراعى صغيرة تتهادى فى جانب .. وعلى الجانب الآخر تسكن تلك الحديقة الهادئة التى لطالما القت صديقة لى على مسامعى تفاصيل لقاءاتها هى وزوجها الذى كان خطيبا حينئذ .. وعلى مد البصر خطوط لا متناهية من أشعة تلمع بلون الشمس تعانق النيل الجارى تأخذ معها احساسى وتسير وتسير الى مالا نهاية .. آه .. كم افتقدت هذا العبير .. هذه السكينة .. وهذه الوجوه التى لا أعرفها ولا تعرفنى .. تمر الى جوارى بعضهم يلقى لى بالا، وآخرون يمضون فى سبلهم يتحادثون أو يفكرون أو فقط يسيرون .. ومعظمهم لهم ملامح غير شرقية أتو سائحين ليشاهدوا بلادنا، ويشاهدوننا نحن أيضا


لا أدرى لماذا هذه البقعة بالذات .. ربما لأنى مجازا لست أمشى فوق الأرض .. وربما لأنى هنا أشعر أنى قد خرجت من نفسى وتمثلت لى طيفا وكأنه مرآة لى وكأننى ملكة من الأزمان الغابرة فى ثوب ساحر أتميز جاذبية .. فتفتح لى كل الأبواب وتحنى الرؤوس حبا واحتراما .. وتتولى يدى توزيع الهدايا، فأدور أوزع الإبتسامات والدعوات، أرفع عن المهموم همومه، وأسد أبواب العجز والجوع والمرض .. فى هذه البقعة أشعر حتى أنى قادرة على الطيران .. وأفيق أجدنى أقف فى منتصف الجسر مبتسمة أتلفت يمنة ويسرة .. فإذا الشمس فى الرمق الأخير ومازال فى الدنيا بعض الضياء .. وتناثر الناس فوق الجسر هنا وهناك كل يحلم حلمه أو يعيش وهمه ولو للحظات .. ابتسم .. وأنسى مقابلة العمل الفاشلة .. وأعود أدراجى .. أحاول ان استمتع بنقرى فى خطوات منتظمة بينما يرن اللحن فى أذنى .. أحاول ان تستهوينى تلك الدقات

الأحد، ٢٨ أكتوبر ٢٠٠٧

من فوق حقيقة هذا العالم




سارا الهوينا يدا بيد .. يرتديان نفس الألوان .. هو .. طويل متين البنية فى جينز أزرق وقميص ابيض .. هى .. رقيقة البنية فى تنورتها الزرقاء وحجابها الأنيق .. تخطو الى جواره بقامتها التى تحاول جاهدة لتطال حدود كتفيه فبدت كعصفورة تتهادى فى ظل مارد تتكىء عليه بمرفقها .. تتهادى وهى تربت على ذلك الضيف الذى تحمله بداخلها وكأنها تهدهده قبل ان يأتى الى عالمهما وتحضره ليعتاد على صوتيهما فيأنس بهما فى كونه الداخلى الوحيد .. لم يكفا عن الابتسام والالتفات لبعضهما البعض وكأن الطريق قد خلا الا منهما .. حانت منه التفاتة الى مقعد شاغر من مقاعد الجلوس على الكورنيش فاقتربا منه وكادت تجلس فمنعها وانحنى يطيل النظر الى المقعد .. نفخ فيه بشدة محاولا ان ينفض عنه غباره ثم اخرج منديلا ليتم عملية التنظيف .. جلست ونظرها معلق به حتى جلس الى جوارها .. ليسا متباعدين، وليسا متلاصقين .. والناس تذهب وتجىء امامهما والسيارات مارقة كل الى سبيله ومبتغاه الا هما .. وكأن كل منهما قد وجد فى الآخر مبتغاه .. أخرج من كيس بلاستيكى كان يحمله كوبان بلاستيكيان وملعقتان .. ناولها واحدة وأخذ هو الأخرى وهم أن يفتحها فوضعت كفها فوق الغطاء مبتسمة وعالجته أناملها فإبتسم لها شاكرا ثم قال بضع كلمات اضحكتها ودفعتها لتضرب بخفة على ذراعه .. وخلال حديث وكلمات بسيطة أنهيا كوبيهما .. انهاه هو أولا وكاد ان يتركه الى جواره تلهو به الريح .. لكنه لمح الكيس البلاستيكى فتناوله ووضع فيه كوبه الفارغ ثم كوبها .. حدقت اليه لثانية ثم اخرجت منديلا مسحت به شيئا عن وجهه .. هندمت ملابسها ثم أخذ يدها فى يده ونهضا يتحادثان وكأنهما يتهامسان من فرط بساطة الكلام .. وضع الكيس فى اقرب سلة للقمامة .. وأخذا يسيران الهوينا يدا بيد .. والناس تروح وتجىء كل فى حال .. والسيارات مارقة كل الى سبيله ومبتغاه

الأربعاء، ١٧ أكتوبر ٢٠٠٧

آدم و حواء




أستمع لدقات خطواتى وأنا انزل درجات سلم منزلنا حتى وصلت الى البوابة الخارجية .. بعثت نسمة الهواء الباردة بعض الدمعات الى عينى بحرقة خفيفة .. سلكت طريقى المعتاد للجامعة وتركت خطاى تأخذنى للطريق الذى تعرفه بينما كان ذهنى منشغلا بأمور أخرى


تختلط فى قلوبنا ابسط المشاعر بإختلاط الأيام والوجوه السابحة فى مداها .. فحينا تعلو بأرواحنا علوا نظن بعده أنه السمو فى أبهى ألوانه .. ثم حينا تتدنى حتى نظن ان كل حروف الغفران لا تكفى لمحو خطيئة الزلل المتدنى .. ولكن وان تساءلنا هل السمو سموا خالصا .. وهل التدنى هو قاع الخطايا .. ام ان تلك القمم فى العلو و الهبوط هى الأخرى مختلطة الحقائق ككل الأشياء حولنا الا اننا نولد ونموت، والميلاد والموت حقيقتان ثابتتان .. واثقتان، وكل ما بعدهما قابل للشك فى قدسيته .. قابل للتغيير فى ماهيته .. من الممكن الإلتباس فيه بين ظرف وظرف .. حتى أقدس العهود .. الإيمان والحب .. لم تعد تلك خالصة فى علاها ولا فى دنوها .. لا شىء معروف ولا شىء مؤكد .. فنحن عندما نؤمن بشىء قضية او عقيدة او انسان، ونحن عندما نحب .. لا نكون انفسنا التى نعرفها .. يدهش كل منا اكثر ما يدهشه .. الأنا الجديدة التى يعيشها


قد تتساءل ما الذى يدفعنى لهذه الأفكار وما جدواها .. انا حقا لا أعرف .. كل ما أعرفه انى التقطت أفكارى وكأنك امامى تحادثنى وأحادثك .. سيسطر قلمى هذه الكلمات فى وقت ما وهو فى قمة احساسه الدائم بالحب يختلط بالشك، وفى قمة احساسه بالأمن يختلط بالخوف .. انه المزيج الذى يجعلنا متذبذبين كنبضات القلب .. قد سئم الناس من حكايات الحب .. وسئمت انا، وسئمت انت .. لكن قلوبنا لا تعبأ ولا زالت تحب .. فإلى اين هذا الحب؟ .. الى حياة عبثية أم الى ما بعد تلك الحياة .. الى حيث امتنع الشك واتضح اليقين لربما نلتقى ونحيا


نولد ونموت .. وبينهما خلقت حواء لآدم تؤنسه، وتعينه وتكون دفئا للأيام والليالى الباردة .. فلماذا يأبى الرجال اليوم على نفوسهم حواء يركنون اليها .. ربما شكا فى أنها لم تعد تملك هذا المسكن الذى يتوقون اليه .. ولماذا تأبى النساء على نفوسهن آدم يأمنون عنده .. ربما خوفا أن يكون الأمن قيدا تسيرن اليه صاغرات فتذبل اجنحة الفراش وتغلق النوافذ وتعدم الحدائق الخلفية وتضيع مع كل هذا ارواحهن


بين الشك آدم، والخوف حواء تتنازع الأيام والأعمار كما نتنازع انا وانت .. لذا دعنى اخبرك انت آدم تستميت حاجة الى رغم قوتك .. وانا حواء فى أضعف حالاتى دوما رغم كبريائى .. لأننا هكذا خلقنا .. نحتاج فنبحث لسد الإحتياج فنتشبع، وترتكن كل نفس الى الأخرى لتبدآ سويا رحلة الإيمان .. لتبدأ العبادة الحقيقية .. الإيمان المطلق ورسالة الإعمار .. نبدأ سويا لنرق سويا .. بين الميلاد والممات الدنيا التى نظننا نعرفها ليست أحلى بدونك .. وليست أكمل بدونى

الثلاثاء، ٢ أكتوبر ٢٠٠٧

ويبقى شىء آخر






تأتى بعض اللحظات بغتة بلا تنبيه ولا توقع .. فتغير الإستعداد الشخصى لإستقبال الأشخاص والأحداث .. وتغير الجو المحيط بالمرء فتتلون الهالة التى تحيطه بلون غير اللون .. ومن هذه اللحظات تلك التى قضيتها منذ يومين فى سيارتى عندما كنت متوجهة من بيتى الى الجامعة .. فبينما كانت اناملى تعبث بمفاتيح الراديو علها تعثر على شىء استطيع سماعه يخفف عنى قيظ الظهيرة .. عانقت الكلمات اسماعى وذهب اللحن بروحى الى حيث لا اريد


يا أعز و أغلى وأطيب قلب

فسر للعالم معنى الحب

وان شاوروا وقالوا عليك طيب

خليك هنا من قلبى قريب

وكفاية تكون انسان فى زمان

فيه طيبة القلب بتتعيب

يا طيب


حبيتك انا

مع ان الحب اللى جمعنا

مابقاش له مكان زى زمان ابدا ولا معنى


خد قلبى وهات قلبك هاته

يابو قلب حياتى فى دقاته

الحب دا عقد من الياسمين وقلوب العشاق حباته

والحب دا عمر وغيرك مين يقدر يسعدنى بأوقاته

صبح اللى يحب فى ايامنا طيب وكمان على نياته


ايه يعنى يقولوا عليك طيب

بس انت تكون منى قريب

وكفاية تكون انسان فى زمان

فيه طيبة القلب بتتعيب

يا طيب


تغيرت نفسيتى واستقبلت روحى دفقات متتابعات من الشجن لدقائق معدودة لكنها تركت فى نفسى عظيم الأثر .. فرغم مرور الوقت وانسياب الأحداث والناس وصروف القدر .. لا يزال بعض الناس فى قلوبهم مكان لحنين لا ينتهى لأشياء وجدوا بداخلها اجزاء لا تتجزأ منهم واناس كانوا معهم غير ما كانوه مع العالم اجمع .. فاذا ما تباعدت السبل .. وانتهت الطرق بلا تقاطع .. ظلت ابسط الأشياء المرتبطة بهم لتجعل لهم مكانا خاصا لا يحتمل الشراكة مع اى شىء آخر .. ولا يتنازعه معهم أحد

لحظات قد يتوقف عندها العمر ليتأمل .. اين نحن من كل ما نحب، ومن نحب .. اين هو العمر من حسابات الزمن .. ايحتسب حقا بالأرقام من السنة الأولى وحتى الرحيل الأبدى .. ام يحتسب بتلك اللحظات التى نستشعرها بداخلنا تملؤنا فتعطينا ما يدفعنا للإبتسام .. لحظات للجنون وأخرى للمستحيل تحملنا على أجنحتها بعيدا عن تعقل الممكن، والمحتمل، والموجود .. فنسبح فى فضاء محبب لتلك اللحظات الدافئة .. تأخذنا ثم يعيدنا الى عالمنا عارض مفاجىء كذلك البوق الذى انتزعنى من افكارى فنظرت فى المرآة الأمامية ليطالعنى وجه غاضب لسائق سيارة تقف خلفى ليحثنى على المرور (خلصونا هو احنا فاضيين لدلع البنات) .. وآه يا سيدى الفاضل اينما كنت لو تعلم ان شرودى لم يكن دلع وانما كان لحظة لإستعادة الإنسانة المدفونة بداخلى فى زحام الإنشغال والإهتمامات والأعمال .. لحظة اشتاق لدفئها .. لحظة لا يحتملهاهذا العالم الثلجى


وأقول ان اللحن ذهب بروحى الى حيث لا اريد .. الى حيث يؤلمنى ويداوينى .. يضحكنى ويبكينى .. الى افضل ما كنت يوما واضعف ما كنت .. انساب اللحن ومعه ايامى وأحلامى وحنينى الموجع .. وانسابت خلفه حياتى لا أعرف الى أين



-----------------------------------------------------



كنت أقف فى نهاية اليوم التالى فى مكان ما الى جوار زميل وقد جمعنا حدث .. اخبرنى انه يكره هذا المكان .. فتسائلت لماذا .. قال لأن هنا تزوجت فتاته التى كانت .. سألته ان كان يحبها .. فنظر الى وكأننى معتوهه قائلا بالطبع ومازلت .. سألته لماذا أحبها فأجابنى لأنها أجبرتنى على حبها


أجبرته على حبها ثم رحلت


لماذا يجبرون القلب القاسى على اللين فيحب .. ثم يرحلون؟؟


حكاية تقليدية عادية تتكرر يوميا فى كل الدنيا .. لكنها بالنسبة له حكايته الوحيدة .. تؤلمه .. تؤرقه .. وتنتزع من عينيه بريقها .. حكاية ذهبت معها حلاوة اليوم الجديد المنتظر واستقرت مرارة الصدمة والأمر الواقع .. وشىء آخر .. يبقى الحنين الموجع الذى يتساءل .. ترى أيأتى يوم ليضمدنا فيه آخر يحنو ويحتوى .. ويرانا رائعين فى كل الأحوال حتى ولو بثياب مغبرة غير مهندمة .. آخر يسمع فى اصواتنا كل معنى مختلف ومميز حتى ولو تفوهنا بأغرب العبارات


يبقى التساؤل الذى قد يذهب بالعقل من شدة ترديده .. ايأتى يوم نتوقف فيه عن التذكر .. الحنين .. البحث عن المفقود


-----------------------------------------------------



ها هى لحظة أخرى متشبعة بالشجن .. أصبحت تلك اللحظات تستدعينى فى اى مكان وزمان لتخبرنى انه لم يعد هناك مكان لأسرار .. قد اصبحت روحى بعد صراع مشاعا .. تتالم .. تهتز ولا أدرى أهو اهتزار على نغم الأوتار .. أم ارتعاشات الحنين



الأماكن كلها مشتاقة لك

والعيون اللى انرسم فيها خيالك

والحنين اللى سرى بروحى وجالك

ماهو بس انا حبيبى

الأماكن كلها مشتاقة لك


------------------------------------------------


ان العشق هو التعويض العادل لكل ما فى الحياة من قبح وظلم وغدر .. هو رغيف الخبز الأخير الذى نسد به جوع القلب .. جملة رنانة قرأتها ذات مرة فى صحيفة .. وهى ليست رنانة فقط .. لكنها حقيقة .. وربما لأنها حقيقة خالصة ربما تبدو كزجاج بلورى لامع انتهينا من تنظيفه للتو فأدخل الشمس والورود والطريق الى غرفة كانت مسدلة ستائرها .. ولأنه زجاج فقد اصبحت كل هذه الحقائق مرئية فقط لا محسوسة .. فنحن ربما نستشعر دفء الشمس وحرارتها .. لكننا لا نشتم الرحيق ولا نسمع اصوات الطريق ولا تلامس بشرتنا انسام الهواء .. فنصبح امام لوحة جدارية معلقة فى عيوننا نستشعر دفئها .. لكننا لا نستطيع ان نعيش فيها .. لا تستطيع مكوناتها الزحف الى داخلنا .. ولا نستطيع نحن عبور اسوار اطارها الذهبى .. هذا هو الحنين الذى يبقى خلف الإحساس الحقيقى الضائع .. دفء شمس من لوحة زجاجية براقة .. مصمتة .. بلا حياة


اذا فليودع من يودع .. وليغب من يود الغياب .. ولنبق نحن نجتر نتائج الأخطاء، ونتحمل العواقب، ونرى الحقائق بلا تجميل .. لنبق نحن نحاول ان نندم .. نأمل ان تدب فى اللوحة حياة يولدها منقار عصفور صغير لتغمرنا الحواس كلها بما تشعر .. ونعود فنحيا من جديد



والى حين الأمل .. يبقى الحنين